دراسات

التشظي السياسي واثره على اليمن

يواجه اليمن اليوم، بعد مرور خمس سنواتٍ على اندلاع النزاع، مرحلة تشظٍّ وتجزؤٍ يفوقان في عمقهما كل ما شهدته البلاد في التاريخ الحديث. فقد فاقمت الحرب المظالم التي جثت على صدر اليمن طويلاً، وخلقت صدوعاً جديدةً في النسيج الاجتماعي اليمني. وقد تلوّن الاقتتال في اليمن بسرديةٍ طائفية، ولو أن جذور النزاع كانت صراعاً سياسياً على السلطة، فقد طفت أصوات انفصال الجنوب على السطح من جديد لتساعد في تقوّيض التماسك الاجتماعي في اليمن. تواجه البلاد اليوم كل هذه الشقوق التي كانت تركة الحرب، ولا شكّ بأنها ستكون دائماً تهديداً بعد الوصول إلى اي اتفاقية سلامٍ سياسيٍّ في البلاد.

صحيحٌ بأن عمق الانقسامات في يمن اليوم غير مسبوق، إلا أنه يمكن الرجوع بالتوترات التي تجلّت في مناخ الحرب إلى تعقيداتٍ تاريخيةٍ لم يتمّ حلها. فقد أنهى تأسيس الجمهورية العربية اليمنية في الشمال قروناً طويلةً من حكم الأئمة الزيديين. وقد تمتّعت الطائفة الزيدية، التي تُعدّ طائفةً متمايزةً من الطيف الشيعي، بالسطوة السياسية والعسكرية تحت ظلّ حكم الإمامة. وبانتزاع السلطة من أيدي الزيدية بعد ولادة الجمهورية، تكوّنت نواة حركة الشباب المؤمن في التسعينات التي سعت إلى إعادة ظفر الطائفة الزيدية، لتنبثق منها لاحقاً حركة الحوثيين.

حارب الحوثيون ست حروبٍ مختلفةً ضد الدولة على امتداد ست سنين بين 2004 و2011، وقد انضوت حركة الحوثيين تحت لواء الثورة الشعبية التي أسقطت الرئيس اليمني وقتها علي عبد الله صالح، قبل أن يلتحق الحوثيون بمعسكر صالح لإزاحة خلفه عبد ربه منصور هادي، وقد نجحت الحركة بانتزاع السيطرة على العاصمة صنعاء في انقلابٍ عسكريٍّ عام 2014. وعمدت سلطة الحوثيين الجديدة إلى استبدال المسؤولين الحكوميين والعسكريين بكوادر زيديةٍ هاشميةٍ تم تعيينهم وفقاً لهويتهم الطائفية بدلاً من خبراتهم وكفاءتهم. وتوسّعت رقعة الحوثيين التي بدأت من مدينة صعدة في الشمال لتصل إلى المدن الجنوبية التي يغلب عليها الهوية السنية الشافعية، لتُرسَم إذاً سرديةٌ طائفيةً هيمنت على النزاع. وبالفعل استخدمت الأطراف المتحاربة خطاباً طائفياً لتجنيد المقاتلين وحشد الدعم، ولجأ القادة السياسيون من كلا الطرفين لاستخدام لغةٍ طائفيةٍ انقسامية لوصف خصومهم السياسيين.

وتأجّج من جديد غيظ الجنوبيين، في ظلّ زحف قوات الحوثيين نحو أراضيهم، على ما كانوا يرونه جوراً سياسياً فرضه عليهم الشمال، فضلاً عن نهب النخب الشمالية لموارد الجنوب. وقد طفا السخط على رقعة تقسيم السلطة والثروة بعد فترةٍ وجيزةٍ من توحد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مع الجمهورية العربية اليمنية عام 1990، وكان تتويج ذلك الهزيمة القاسية التي أكالتها القوات الشمالية لحركة الاستقلال الجنوبي في الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1994. ويرى بعض الجنوبيين في وصول قوات الحوثيين في عام 2015 إلى الجنوب إعادة بعثٍ لذاك النزاع. وألهبت الحرب نداءات الاستقلال في الجنوب في ظلّ انبثاق مجموعاتٍ انفصاليةٍ جديدة مثل المجلس الانتقالي الجنوبي.

تحدّي التشظي الاجتماعي في اليمن – مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية
https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/7147

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى