
كبدت اليمن خسائر اقتصادية كبيرة على مدى الست سنوات الماضية من الحرب والحصار الذي يفرضه التحالف العربي بقيادة السعودية.
فالبلد الفقير في شبه الجزيرة العربية فشل على مدى سنوات ما قبل الحرب في تحقيق تنمية شاملة بسبب الصراعات السياسية والحروب الداخلية وتصاعد هجمات التنظيمات الإرهابية، يعيش اليوم أسوأ مرحلة تاريخية جراء تدهور بيئة الأعمال المحلية وتراجع قدراته الإنتاجية والخدمية إلى مستويات متدنية.
فمعدلات الفقر والبطالة وسوء التغذية الحاد والوخيم حققت معدلات عالية خلال سنوات الحرب مقابل انكماش اقتصادي حادي تجاوز الـ 50% وفق تقارير رسمية، وأدى إلى ركود حاد في الأسواق اليمنية، وأسهم في ذلك تراجع معدلات دخل الاسرة اليمنية بنسبة 51%، عما كانت عليه قبل الحرب.
الصراع المالي
رغم صمود سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار الأمريكي خلال العامين الأول والثاني من الحرب التي انطلقت صبيحة 26 مارس/آذار 2015، ولم يتجاوز التدهور في القيمة الشرائية للعملة اليمنية الـ(30%) بفعل هدنة اقتصادية أبرمت بين طرفي الصراع اليمنيين برعاية صندوق النقد الدولي في العاصمة الأردنية “عمّان” منتصف العام 2015.
التزم فيها طرفا الصراع باحترام استقلالية المصرف المركزي في صنعاء، وعدم استخدام قنواته الإيرادية الأساسية في مختلف المناطق اليمنية في تمويل عملياتهما العسكرية مقابل استمرار المصرف المركزي تنفيذ السياسات النقدية الكفيلة بوقف تدهور العملة وتمويل فاتورة الإيرادات الأساسية بالعملات الصعبة.
لكن تلك الهدنة الاقتصادية التي مكنت البنك المركزي في صنعاء من الاستمرار في صرف رواتب موظفي الدولة في مختلف المحافظات دون انحياز لأي طرف من أطراف الصراع لم تصمد طويلاً، فبعد فشل مفاوضات السلام التي جرت برعاية الأمم المتحدة بين الحوثيين “أنصار الله” والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في دولة الكويت منتصف العام 2016، استخدمت حكومة هادي المصرف المركزي كورقة ضغط على جماعة الحوثي “أنصار الله” وأقرت نقل وظائف البنك المركزي من صنعاء إلى عاصمتها المؤقتة مدينة عدن جنوب البلاد.
بررت تلك الخطوة التي جرت بتاريخ 12 سبتمبر/آيلول 2016، بوقف تمويلات الحوثيين والتزمت للأمم المتحدة بصرف رواتب جميع موظفي الدولة وفق كشوفات الرواتب المعتمدة منها قبل الحرب، لكن تلك الخطوة ضاعفت تدهور الاقتصاد اليمني، وأدت إلى انقسام مالي بين حكومة الأمر الواقع في صنعاء التابعة لجماعة الحوثي “أنصار الله” والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً التي تتخذ من مدينة عدن عاصمة مؤقتة لها منذ منتصف 2015، ليتسبب الانقسام المالي بصراع مالي بين الطرفين دفع كل طرف إلى السيطرة على القنوات الإيرادية التي كانت تغذي خزينة البنك المركزي كلٌّ في نطاق سيطرته
وكنتيجة لإقحام الجانب المالي في الصراع أقرت حكومة الحوثي “أنصار الله” التعامل مع البنك المركزي بصنعاء كبنك رسمي، وأعلنت الحكومة المعترف بها تحويل فرع البنك في عدن إلى مقر رئيسي للبنك المركزي اليمني، ليضاعف الانقسام المالي بين الطرفين معاناة اليمنيين، متسبباً بانهيار سعر العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي بنسبة تتجاوز 200%.
فالتدهور الاقتصادي الناتج عن استهداف التحالف العربي البنية التحتية والأساسية للبلاد قبل إقحام البنك المركزي في الصراع كانت أضرارها نسبية، فأضرار خارطة الدمار الذي لحق بمختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية خلال فترة ما قبل الانقسام المالي كبدت الاقتصاد اليمني قرابة 70 مليار دولار.
رغم ذلك لم تطل تلك الأضرار المواطن البسيط بحدة، وذلك لا يعني أن الاقتصاد اليمني كان قوياً قبل الحرب، بل العكس من ذلك؛ فاقتصاد اليمن كان قبل الحرب غير منظم ومن أقل الاقتصاديات العربية نمواً، لذلك أعاد خبراء اقتصاد في صنعاء تماسك الأوضاع الاقتصادية خلال مرحلة العام الأول للحرب التي تعد مرحلة صدمة إلا أن الاقتصاد اليمني هش وغير منظم، والاقتصادات الهشة مقاومة للصدمات لفترات زمنية محددة.
الانقسام النقدي
على مدى السنوات الماضية قاد الصراع المالي إلى انقسام نقدي، فحكومة هادي المعترف بها دولياً، فشلت في السيطرة على كامل إيرادات الدولة في المحافظات الخارجة عن سيطرة الحوثيين، رغم أن المناطق الجنوبية والشرقية غنية بالمصادر الاقتصادية وإيراداتها كانت تمول ميزانية الدولة بنسبة 75% من الإيرادات والتي كانت تساوي قرابة 7 مليارات دولار من أصل 14 مليار دولار تمثل إجمالي إيرادات الميزانية العامة للدولة لليمن للعام 2014.
لكن تدخل الإمارات في تلك المحافظات وقيامها بإنشاء مليشيات محلية موالية لها أنفقت في إعدادها وتدريبها وتسليحها 49 مليار ريال سعودي وفق تصريحات صحافية لمسؤولين في حكومة هادي، سيطرت على بعض الإيرادات التي كانت تورد إلى خزينة البنك، يضاف إلى أن تعدد المليشيات المسلحة التابعة لدول التحالف العربي فضلاً عن استحواذ حزب الإصلاح (إخوان اليمن) على إيرادات نفط وغاز قطاع صافر النفطي والتي تتجاوز سنويا 600 مليون دولار، تحت مبرر تمويل جبهات القتال وتمويل مشاريع بنى تحتية في محافظة مأرب، أفقد حكومة هادي أكثر من 60% من تلك الإيرادات ولم يتبقَ لها سوى الإيرادات المحلية لميناء عدن.
وكنتيجة لذلك اتجهت الحكومة المعترف بها دوليا إلى طباعة 1,8 تريليون ريال من العملة اليمنية دون غطاء نقدي، مما تسبب بانهيار سعر صرف العملة اليمنية إلى 800 ريال للدولار الواحد وبنسبة ارتفاع عن سعر العملة قبل الحرب بلغ 400%، هذا الارتفاع كانت له آثار تضخمية للإصدار النقدي الكبير والذي لم يستطيع البنك المركزي في عدن إدارته خلال السنوات الماضية، مما تسبب بأزمة ثقة بين رجال المال الفاعلين في السوق والعملة اليمنية المطبوعة وانعكست هذا الازمة على ارتفاع الطلب على العملات الصعبة مما أدى إلى انهيار الريال اليمني.



